علي محمد علي دخيل
799
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
نفوس الكافرين بالشياطين وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ يعني الجارية المدفونة حية ، وكانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها ، فإن ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ، وإن ولدت غلاما حبسته ، عن ابن عباس بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ان الموؤودة تسأل فيقال لها : بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ، ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها لأنها تقول : قتلت بغير ذنب وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير وشرّ تنشر ليقرأها أصحابها ، ولتظهر الأعمال فيجازوا بحسبها وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أي أزيلت عن موضعها كالجلد يزال عن الجزور ، ثم يطويها اللّه ، وقيل معناه : قلعت كما يقلع السقف ، عن الزجاج وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أوقدت وأضرمت حتى ازدادت شدة على شدة وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أي قربت بما فيها من النعيم فيزداد المؤمن سرورا ، ويزداد أهل النار حسرة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ أي ما أحضرته من خير وشر . 15 - 29 - ثم أكّد سبحانه ما تقدّم بالقسم فقال فَلا أُقْسِمُ أي فأقسم بِالْخُنَّسِ وهي النجوم تخنس بالنهار وتبدو بالليل الْجَوارِ صفة لها لأنها تجري في أفلاكها الْكُنَّسِ من صفتها أيضا لأنها تكنس : أي تتوارى في بروجها كما تتوارى الظباء في كناسها وهي خمسة أنجم : زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أي إذا أدبر بظلامه عن علي عليه السلام وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي إذا أسفر وأضاء والمعنى : امتدّ ضوؤه حتى يصير نهارا إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هذا جواب القسم ، أي ان القرآن قول رسول كريم على ربه وهو جبرئيل ، وهو كلام اللّه تعالى أنزله على لسانه ، أي سمعه محمد من جبرئيل ولم يقله من قبل نفسه . ثم وصف جبرائيل عليه السلام فقال ذِي قُوَّةٍ أي فيما كلف وأمر به من العلم والعمل وتبليغ الرسالة عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ معناه : متمكن عند اللّه صاحب العرش وخالقه ، رفيع المنزلة ، عظيم القدر عنده كما يقال : فلان مكين عند السلطان ، والمكانة : القرب مُطاعٍ ثَمَّ أي في السماء تطيعه ملائكة السماء أَمِينٍ أي على وحي اللّه ورسالاته إلى أنبيائه وَما صاحِبُكُمْ الذي يدعوكم إلى اللّه وإخلاص طاعته بِمَجْنُونٍ والمجنون : المغطى على عقله حتى لا يدرك الأمور على ما هي عليه للآفة الغامرة له وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي رأى محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم جبرائيل عليه السلام على صورته التي خلقه اللّه تعالى عليها حيث تطلع الشمس ، وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي ليس هو على وحي اللّه تعالى وما يخبر به من الأخبار بمتهم ، فإن أحواله ناطقة بالصدق والأمانة وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ رجمه اللّه باللعنة والمعنى : وليس القرآن بقول شيطان رجيم ألقاه إليه كما قال المشركون : ان الشيطان يلقي إليه كما يلقي إلى الكهنة . ثم بكّتهم اللّه سبحانه فقال فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ أي فأيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بيّنت لكم ؟ عن الزجاج إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ معناه : ما القرآن إلّا عظة وتذكرة للخلق يمكنهم أن يتوصلوا به إلى الحق ، . والذكر : هو ضدّ السهو لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ على أمر اللّه وطاعته . ذكر سبحانه انه ذكر لجميع الخلق على العموم ثم خصّ المستقيم لأن المنفعة راجعة إليهم كما قال : إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ انه خطاب للكفار والمراد : لا تشاءون الإسلام إلّا أن يشاء اللّه أن يجبركم عليه ويلجأكم إليه ، ولكنه لا يفعل لأنه يريد منكم أن تؤمنوا اختيارا لتستحقوا الثواب ، ولا يريد أن يحملكم عليه .